في الثالث من سبتمبر المقبل، تستعد العاصمة الصينية بكين لتنظيم عرض عسكري مهيب في ساحة تيان آن مِن، احتفالًا بالذكرى الـ80 لانتصار الصين في حرب المقاومة الشعبية ضد العدوان الياباني، وانتصار البشرية جمعاء في الحرب العالمية الثانية. ويُقام هذا الحدث بحضور الرئيس الصيني شي جين بينغ، الذي من المنتظر أن يلقي خطابًا مهمًا يواكب أهمية المناسبة، بمشاركة تشكيلات عسكرية متنوعة، ومدرعات ومعدات حديثة تعكس تطور القوات المسلحة الصينية، ليس كأداة حرب، بل كقوة تحمي السلام وتكرّم التاريخ.
يُجسد هذا الحدث أكثر من مجرد عرض عسكري؛ إنه استحضار حي لذاكرة نضالية لشعب تحمّل أعباء الحرب منذ بداياتها، وواجه وحده طيلة سنوات آلة العدوان الياباني. فقد بدأت معاناة الصين مبكرًا منذ اجتياح منشوريا عام 1931، قبل أن تتحول إلى حرب شاملة بعد حادثة جسر ماركو بولو عام 1937، لتصبح الجبهة الشرقية الأطول والأكثر استنزافًا في الحرب العالمية الثانية. وبينما كانت معظم دول العالم لا تزال خارج المعركة، كانت الصين تحارب بالفعل، مقدّمة 35 مليون من الشهداء والضحايا، وتحمّلتأهوال الحصار والتجويع والدمار.
ويأتي هذا الاحتفال الوطني في وقت أطلقت فيه الصين شعارًا رمزيًا خاصًا بالذكرى، يتكوّن من الرقم "80" البارز باللون الأصفر، يحيط به سور الصين العظيم، وغصنا زيتون، وشعاعا نور، إضافة إلى التاريخين "1945–2025". ويمثّل هذا الشعار رسالة بصرية بليغة توضح أن الانتصار لم يكن فقط بالرصاص، بل بالإرادة الشعبية، وأن السلام الذي تحقق جاء نتيجة نضال مرير وممتد.
وفي هذه الذكرى، لا يمكن تجاوز الدور المهم لإعلان القاهرة، الذي صدر في 27 نوفمبر 1943، في العاصمة المصرية، أثناء انعقاد قمة ضمت الرئيس الأمريكي فرانكلن روزفلت، ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، والزعيم الصيني شيانغ كاي شيك. كان ذلك أول ظهور لدولة آسيوية في تجمع استراتيجي كهذا، وهو ما أضفى على الصين اعترافًا دوليًا بدورها كقوة رئيسية في النظام العالمي الناشئ. وتضمن "إعلان القاهرة" بندًا واضحًا ينص على إعادة كافة الأراضي التي استولت عليها اليابان.
بما في ذلك تايوان، إلى الصين، وهو ما لا تزال بكين تعتبره مرجعية قانونية أساسية في قضية وحدة أراضيها، وقد أثبتت الأيام أن ما تضمنه الإعلان من تعهد صريح بإعادة الأراضي الصينية المغتصبة – وفي مقدمتها تايوان – لم يكن وعداً مؤجلاً، بل مرجعية قانونية وأخلاقية تستند إليها الصين في كل المحافل الدولية حتى يومنا هذا. وتمثل عودة الاهتمام العالمي بهذا الإعلان بعد أكثر من 80 عاماً تأكيداً علي ان اعلان القاهرة لا يزال حياً، نابضاً، وقادراً على أن يقود توجهات المستقبل نحو عالم أكثر إنصافاً، تتراجع فيه الهيمنة لصالح شراكات متوازنة تستلهم روح التضامن بين الشعوب، كما جسدته مصر والصين في ذلك الزمن الحاسم من التاريخ.
وهو أيضًا ما يعكس الأهمية الرمزية والسياسية التي تمثلها مصر بالنسبة للصين. فقد تمخض الإعلان في القاهرة عن لحظة إجماع بين الشرق والغرب، وتحوّل إلى قاعدة قانونية وأخلاقية لانتصار ما بعد الحرب، مما رسّخ مكانة مصر كدولة داعمة لقضايا التحرر والسيادة، ومهد الطريق أمام ولادة شراكة طويلة الأمد بين بكين والقاهرة.
لقد أتيحت لي شخصيًا فرصة ثمينة لتأمل هذا التاريخ عن كثب، حين زرت متحف حرب المقاومة الشعبية الصينية ضد العدوان الياباني، في بكين، خلال فترة عملي مستشارًا إعلاميًا لمصر في الصين. كانت الزيارة في أواخر عام 2012، ضمن وفد ضم عددًا من السفراء والدبلوماسيين من مختلف دول العالم. ووسط أروقة المتحف، وبين صور الشهداء ووثائق الحرب، لمست عمق المأساة التي عاشها الشعب الصيني، وقوة الروح التي مكنته من الصمود والانتصار.
في تلك اللحظة، شعرت بمسؤولية أن أشارك أصدقائي من الدبلوماسيين والاعلاميينقصة "إعلان القاهرة". تحدثت بفخر واعتزاز عن احتضان مصر لهذا الإعلان التاريخي، الذي لعب دورًا حاسمًا في تعزيز النضال الصيني ضد العدوان الياباني، والذي لا تزال الصين تقدره إلى اليوم بوصفه محطة مفصلية في مسارها الوطني. وقد لقي حديثي تفاعلًا كبيرًا من الزملاء والدبلوماسيين، وأشاد مسؤولون صينيون بحرص مصر على تذكير العالم بمواقفها الداعمة للمبادئ الدولية العادلة.
وليس غريبًا أن تُدرج الصين هذا الإعلان ضمن معروضات المتحف بوصفه وثيقة تاريخية ساعدت على تثبيت حقوق الصين في مرحلة ما بعد الحرب. فالقاهرة، من خلال هذا الإعلان، لم تكن مجرد موقع للقاء قادة العالم، بل أصبحت رمزًا للتضامن في لحظة فارقة، ورسخت تقليدًا من التعاون المصري-الصيني امتد لعقود تالية.
واليوم، ونحن في عام 2025، تتجدد ملامح هذا التعاون على أكثر من مستوى. فالصين لم تنس يومًا أن القاهرة كانت منصة للعدالة الدولية، وهي تسعى اليوم لتوسيع هذه الشراكة لتشمل ميادين التنمية، والحوكمة العالمية، والدفاع عن القضايا العادلة. وفي هذا السياق، صرّح السفير الصيني في القاهرة، لياو لي تشيانغ، بأن "العلاقات الصينية-المصرية لها أهمية استراتيجية تتجاوز الإطار الثنائي"، مؤكدًا حرص بكين على العمل مع مصر في المحافل الدولية، خاصة في إطار مجموعة البريكس، ومنظمة شانغهاي للتعاون، لتعزيز التنمية في الجنوب العالمي، ودفع عجلة الإصلاح في النظام العالمي.
إن ما يجمع القاهرة وبكين اليوم ليس مجرد مصالح آنية، بل إرث مشترك من الكفاح ضد الظلم، وإيمان راسخ بضرورة بناء نظام دولي أكثر توازنًا، يحترم السيادة، ويقدّر التنوع، ويقوم على قواعد القانون لا على منطق الهيمنة. فكلما تجددت ذكرى الانتصار الصيني، تجدد معها الإيمان بأن السلام لا يُحمى بالكلمات وحدها، بل بالذاكرة، والعمل، والتضامن.
من هنا لا ينبغي أن يُنظر إلى إعلان القاهرة كمجردورقة من أرشيف الحرب، بل كوثيقة تأسيسية لعالمجديد تَشكَّل على أنقاض دمار شامل خلّفته واحدةمن أعتى الحروب التي عرفها القرن العشرون ، ووجد في التحالفات العادلة بوصلة للبناء بعد الدمار. وهو ما يجعل من العلاقة المصرية الصينية اليوم امتدادًا حيًا لذلك المسار، في وقت تتعاظم فيه الحاجة إلى صوت دولي عاقل ومتزن يقف في وجه الفوضى، ويعيد الاعتبار للعدالة، والتنمية، والحق في تقرير المصير.
ختامًا، إن الذكرى الثمانين لانتصار الشعب الصيني ليست فقط احتفالًا بماضٍ مشرف، بل دعوة للاستمرار في بناء مستقبل قائم على الشراكة، والسلام، والتكافؤ، وقد وضعت القاهرة توقيعها التاريخي على وثيقة الانتصار، ليبقى إعلان القاهرة وبكين عنوانًا دائمًا لشراكة تصنع التاريخ، وتبني عالمًا أكثر عدلًا.
المستشار الاعلامي المصري السابق ببكين
الخبير والباحث في الشئون الصينية